الثلاثاء، 17 مارس، 2009

أمطار حبي الدافئة

أمطار حبي الدافئة





تبدو السماء رائعة بحلّة الشتاء... أذكر فيها جيداً تلك السنوات التي مرت وكم من شتاء جاء وولى وعاد وذهب... في كل مرة دون أن يهمس لي بسر أخفيه أو وعد أنتظره ....

كل شتاء يمر بي ... هو مشهد من فيلم أراه عبر هذه الشاشة ألا وهي زجاج نافذتي...


البرودة شديدة ..


تخرج أنفاسي ساخنة .. فيتكثف بخار الماء على الزجاج ... ويمنعني من متابعة هذا المشهد من الفيلم الموسمي....


بل إنه يعكس لي مشهد آخر من داخل كواليس بيتنا المتواضع...



فتجلس الأسرة ومن هم متواجدون من العائلة ... يحتمون من الأمطار ... فهم يخافونها ... وقد ترعرعت أنا الأخرى أخافها .... دون أن أحتك بها يوماً ... فأكتفي بالمشاهدة فقط ...


يجلسون حول المدفأة ... تفوح رائحة القهوة ذات البن المحوج ... يحفهم حفيف ضوء هادئ.... وهم ذاتهم يحفون النار ... تقشع حدوتة أحدهم ... والكل يسمع مشرئبة أعناقهم ... إلى أن تنتهي الحدوتة ...

يجلسون يحتضنون الدخان .. يبتلعون الدخان ... ولكنه ما إن يصاب أحدهم بتخمة الدخان حتى ينفثه حدوتة أخرى ......



وهكذا يبقى الجميع ينفثون على صفحة دخان .... حتى يخيل إليك أن الحدوتة قد لا تنتهي أبداً ... وهم سعداء بذلك طالما هم في بعد عن برودة الأمطار التي يخشونها ...



أما أنا.......


فقد تشبعت كل ذرة بجسدي بذلك الدخان وتشتاق رئتي كي تستنشق هواء الشتاء البارد وأشتاق أيضاً لرائحة الأمطار ....


أزيل بيدي ذلك البخار المتكثف على الزجاج لأرى السماء مرة أخرى وهي ترمي ما في جعبتها من لآليئ ....


أرى السائرون تحت الأمطار ... وأتذكر .....



فها هي ذكرى من الشتاء الماضية قد تسللت من أرشيفي إلى عقلي الواعي في غفلة مني كي أتذكره .....


أتذكره جيداً............



فقد كنت جالسة أمام نافذتي أحدق بالمارة وبملابسهم المبتلة من المطر......


وهو ...


قد مر من هنا .......



نظر لعيني .....



لا أعلم من أين جاء ولا إلى أين أختفى ......


لكني أتذكره .....



أتذكر تلك العبرة القاتلة في عينيه.......



تلك صرخة الشوق المتجمدة في حلقه .........


يفوح منه صمت العاشق المغلوب......



ماداً إلي يديه المبتلين المرتعشتين......



فجأة......


ينفتح زجاج النافذة إثر موجة من سقيع الشتاء .... فيملأ هواء الشتاء رئتي ... برائحته المنعشة.... فأصبحت تفوح بآرجاء جسدي.... تعيد إلى نفسي رسائل عينيه عبر المطر .... فأسأل نفسي لما يكون الحب جميلاً في الشتاء ... ولما تعود إلينا الذكريات حين مشاهدتنا للأمطار ؟؟؟ فتبدو أجمل من سابقتها...؟؟



وأنا على هذه الحال ... تجري أمي هلعاً .. وتغلق النافذة كي تحميني الأمطار ....



فأصحوا من حلمي ... لدخانهم من جديد.......



فأستسلم ... وأكتفي بالنظر عبر شاشتي ... فيكفيني أنني أرى وأشاهد على الأقل....




فأرى عواصف رعدية من المشاعر الهائلة الجياشة التي لا تهدأ .. وأمطار شديدة من الأشواق .... وثلوج الحب المتدفقة تتساقط بإزدياد ...وأكثر من ذلك تخفيه عني شاشتي ....



أرى المارة .. بعين أخرى .. أعني بإحساس مختلف .... فلكم رأيت تلك الفتاة السائرة وحيدة هائمة في أفكارها ... لكني أبداً ما لمحت تلك الدموع التي تسيل على الخدود ... فلم تنجح محاولاتها بالسير في المطر في إخفائها عني تلك المرة ....



وهذه الفتاة وهذا الفتى ... السائرون بعيداً عن بعض .... للمرة الأولى ألاحظ تلك النظرة المتوحدة في عيونهم من الأعماق وأيديهم المرتعشتين .....




أرى كيف تكون هي ليالي العاشقين والمفارقين تحت قطرات المطر....



وهذا الفتى أيضاً ... ذو اليد الممدودة ...



................



إنه هو...........



نفس النظرة القاتلة مرة أخرى .......



أجدني أنتفض إثر مشاهدته من جديد......


هل حان الآوان للتحرر من أسر دخاني الخانق ...؟؟


لكنني أخاف....



أخاف برودة الأمطار التي طالما رددت أمي بأنها مؤذية ... وأخاف على قلبي من أذاها ....




لكنه ما إن يذهب ... سوف لن أجد لي مفر من دخاني إلى الأبد ....... فلا تذهب .....

أو يكون مصيري بتلك الأمطار كمثل من تسير وحدها تعاني البرودة والحزن والعبرات ....


وأظل على هذه الحال من مد وجزر ... يتحكم فيّ قمرين وليس بقمر واحد .... هما حبي وخوفي ... إلى أن تغلبني أمواج أشواقي في فيضان لا سد له ولا مانع .... فأجري وأخرج من سحابة الدخان الكثيف تلك التي تحاوطني ..... وأفتح باب قلبي لتيار مشاعره الفياضة ...



أخرج خارج البيت مهرولة .. أفتح ذراعي لكي أحتمي بحضنه من برودة الأمطار .... ولا أهتم بملابسي المبتلة .... ولا أهتم بثورة أمي حين تبتل ملابسي ... وتعرف أنني تحت الأمطار التي طالما جاهدت للاحتفاظ بي بعيداً عنها ....



فلا أهتم ... وأترك المطر يغسل قلبي كما يغسل أوراق الشجر ... ويحيي فيّ الأمل مثلما يحيي الزرع والزهر......



فقطراته تعزف لي لحن بلا عود أو وتر



عزف منفرد على أجمل وتر .... وتر تطرب لنغماته الروح والقلب المتعب.....




وما إن اقتربت منه .... واحتضنني وروى قلبي الظمآن وأزاح عنه دخانه المتكثف وخوف السنين ... حتى شعرت بالدفء ... فما إن اقتربنا من بعض وجمعنا حطب التقارب ... فقد أشعلته نار المحبة التي لا تنطفئ أبداً ما كان بأي أمطار ...



فأمطري ولا تكفي .. ياأمطار الحب .... فنحن في دفئ ما دمنا معاً...



وما نستزيد منه دفئاً ... ذلك الوشاح ... وشاح الحب المغطى بالفرو والصوف الغير مرئي ...... فهو ما يزيد أمطار قلوبنا دفئاً وطمأنينة وراحة ......



فأمطري كيفما شئتي ....



أمطري ... أمطري



أمطري حباً......



أمطري دفئاً .....



ياأمطار حبي الدافئة.......

Fairuz...

Qur2aan