وقفت بين الجموع شاردة ...
فأنا موجودة بينهم ولكنني بعالم آخر...
عالم ذكريات ... عالم حب ... عالم آهات ... مؤلمة .. لكنها محببة ...
محببة إلى نفسي ... وقلبي... الذي لم يعش مثل هذه الذكريات إلا مرة واحدة وحيدة بحياته .... هي بالأحرى حياته ...وليست مجرد ذكرياته ....
فهو كان في غيبوبة طوال هذه السنوات التي أنتهت ذكرياته عند بدايتها ...فهو أدرك لا شعورياً أن حياته لن تستطيع أن تستمر ... بإنتهاء هذه الأحداث والتي أصبحت ذكريات....
يااااااه .... لقد كنت نسيت ...أعني كنت قد تناسيت ..... لمَ العودة لذلك الماضي الأليم السعيد .... الذي يسرقني إليه الحنين ... لمَ قد قُدّر لي أن تُلقى بذور الشطة على جرح قلبي القديم ...المتجدد باستمرار...
لمَ وافقت على السفر والمجيء إلى هنا ... صحيح أنني مكلفة بعمل لابد أن ينتهي ... وأنني قادمة مع فوج لمعاينة المشروع الجديد .... لكنني كان يمكن أن أرفض .. كان هناك بديل غيري ... أهو الحنين!!!
هل من المعقول أن يكون الأشتياق؟؟ ... وهل هناك من يشتاق لعذاب قلبه... هل هناك من يفتح جرحه بيديه حتى يشعر بناره مجدداً؟؟....
فبمجرد أن وصلت هنا ...كل خطوة بذكرى ...أو ذكريات ...خاصة هنا ...مكان المشروع الجديد ... تجذبني ذكرياتي جذب لأتذكر تفاصيلها ..وأعيش المشهد كاملاً ... لأسبح بهذا العالم الجميل ... الذي كنت أحيا به ...بالفعل فقد كنت أحيا ... فأنا كنت ...أما الآن ...لست أنا ....!!
أستطيع أن أراه أمامي ...نمرح ... نضحك ... يضم بعضنا الآخر كي نحتمي ببعضنا من البرد ...ويجد كل منا الدفئ في حضن الآخر ..... نجري بجنون تحت الأمطار ... ونلتقط لبعضنا الصور المضحكة ... فكنت أعشق جنونه ..وهدوءه وحتى صمته .... يصرخ بأعلى صوته ... "بحبــــــــــك" .....
ويهمس لي وهو يبتسم "وحشتيني" ..... وأحياناً ينظر لي وحسب ....
أستطيع أن أشعر لمسة يديه .... ودفئ أنفاسه .....
أستطيع سماع صوته ......
صوته يناديني ......
ما هذا ..... أنا أهلوس .... أسمع صوته بالفعل ....
..................................................
هو ........ هو هنا .....إنه هو.. لقد مسني الجنون!!!!
أأنت ؟؟؟ إنه أنت؟
جاوبني .... نعم ..إنه أنا ... لم أصدق عيني عندما رأيتك من بعيد وسط هؤلاء .... فأنتظرت قليلاً حتى تصبحين وحدك ... وأستطيع الحديث معك .... ماذا تفعلين هنا؟؟
أشعر بأنني أحلم ... أهلوس ... فأنا كمن يقف على قبر ويبكي موتاه ... فإذ بهذا الميت تدب فيه الحياة ويهب واقفاً أمامه ويحدثه!!!
فتمالكت نفسي ... حتى لا يلاحظ ما أمر به من أحاسيس ....
وأجبته .. شغل ... أنا هنا في شغل ... وأنت؟؟
فأمتعض وجهه .. للترفيه ... متضايق شوية بس..
وقعت إجابته عليّ كالصاعقة .... ترفيه؟؟؟
وفي ذلك المكان ... الذي أصارع نفسي كي تتغلب على دموعها ... لمجرد أنني فيه !!!
فأجبته في محاولة لقطع هذا الحوار .... وقد إعتلت على وجهي الجدية ... أما أنا .. فلديّ عمل ... يجب القيام به...
فأخذ يسألني عن هذا العمل .. وما هو هذا المشروع الذي نعاينه ... وأخذ يستمر في الحديث ..
وأخذت أنظر إليه ... أدقق في تفاصيله ... أهذا هو؟؟ ... قد مر زمن طويل ... تغير كثيراً ... كم تمنيت طوال هذه السنوات أن أكون هنا ومعه .. كما الآن .. أن أرتمي في أحضانه ..وأبكي ...أبكي حتى تنتهي الدموع .... أن أتحدث إليه حتى يكف اللسان وتكمل الحديث العيون .... لكننا هنا الآن .. ومعه .... لكنه ليس معي ...أول نظرة مني ليديه ... إنها دبلة الزواج .. تلمع في عيني .. إنه ليس ملكي ...ولن يكون....
.................................................
تنبهت إليه وقد هدأ صوته ...ونظر لي نظرة طويلة .... كيف حالك؟؟ ... كيف هي حياتك؟؟
بخير .... هل إرتبطي؟؟ ... لا ... لم أفكر بالارتباط بعد ... فعملي يأخذ كل وقتي ...كما ترى
وترددت لحظات ... ثم سألته ... وأنت ,,,ألم ترتبط؟؟
نظر إلى الدبلة في يديه ... ثم تنهد تنهيدة طويلة ....
بلى ..أرتبطت ... لكن الزواج بلا حب ... كالأزهار بلا عطر أو لون ... حياة روتينية .. تمتلأ بالمشاكل والمشاحنات ...سمعت أن الزواج إستقرار ... لكنني لم أعرف بعد معنى لهذه الكلمة .. في قاموس هذه المرأة ...
"بالطبع صامتة...... لا أجد ما أقول ... أهو يشتكي إلي أنا .... ومن زوجته...هو .... الذي كان يوماً يحلم معي بحياتنا سوياً وكيف تكون حتى يشيب كل منا ولانزال نحب بعضنا البعض!!! ماذا أقول ... وماذا ينتظر مني ؟؟
وما هذه القسوة ؟؟؟ ....."
كل هذا وهو ينظر لي ... يحدق بي....
فنظرت له ...وبنبرة ساخرة قلت له .... ليس كل مايتمناه المرء يدركه .... "بكرة تتعدّل" مثل ما كنت تقول جدتي ...
فضحك كثيراً ... حتى أنني كنت مندهشة لهذه الضحكات ... ضحك حتى أذرف الدموع من عينيه ...وقال لي متغيرتيش ... وسكت قليلاً ...وهو ينظر للفضاء البعيد ... ثم حانت منه نظرة لي وهمس كما كان يفعل ...
"وحشتيني" ....فابتسمت ولسان حالي يقول ...لسه فاكر "على رأي أم كلثوم" .... فقال ووحشتني ابتسامتك ....
كلماته هذه كانت كالمياه التي تروي قلبي ... فينضر وتعيد له الحياة ... ويتنفس من جديد كالزرعة التي تتفتح ثمارها ... لكن ثمار قلبي كانت أشواك تجرح فيّ وتدمي قلبي من جديد بكل ثمرة تتفتح.... فلم أحتمل...
يااااااه ... حقاً لا أحتمل ... أيعامل بشراً أم حجر....
وعلى أي أساس ... يشكي لي زوجته .... ثم يقول لي أنه يفتقدني ...
لمَ هذه الأنانية !!!!!!.....
فقلت له .. بوجه جامد .. وبنبرة باردة كالجليد ... وما الجديد في هذا ؟؟
فتجمدت الكلمات في حلقه ... وأخذ ينظر لي .. صامتاً..
نعم ... ما الجديد؟؟ ... فكل الذكريات نفتقدها في يوم من الأيام ... ولكننها تبقى ذكريات..... دائماً وأبداً سأفضل ذكرى في حياتك ....ذكرى فقط...
ومرت لحظات صمت ... لم يخترقها سوى رنة هاتفه ... حيث كانت رسالة مسجلة صوتيا من زوجته ...تعتذر له وتقول له بدلال ..."أنا أسفة ... وتبعث له بقبلة عبرالهاتف ... وأنها منتظراه على العشاء وتوصيه ألا يتأخر عليها"....... فأبتسم ....
وأنا ضحكت كثيرا بمرارة .... ونظرت إليه لحظات .. وقلت له ... ألم أقل لك ... ذكريات فقط ..ذكريات وحسب..
لم يستطع أن يجيب بشيء...
مرت لحظات صمت وأنا أنظر له ... فقط .....
فهذه هي آخر ما سيسجله لنا الزمن من رصيدنا معاً .....
وأخيراً قلت له .... أما أنا ...فتخليت عن ذكرياتي ...تخليت عنها .. في نفس مكانها ...
وتحررت منها ... بنفس اليد التي قيدتني بها ... فشكراً لك .... حقاً شكراً جزيلاً......
وأستأذنت .. ورحلت ... تاركة إياه في حالة ذهول .... لا يعي لماذا أشكره ... وماذا حدث.!!!
...............................................
فهو لا يعرف أنني قبل المجيء هنا ... كنت عبارة عن نصف أنثى ... نصف قلب ... وحياتي التي أعيشها نصف حياة ... ضحكتي نصف ضحكة ....... فالنصف الآخر كله كان يعيش مع وهم الذكريات ....
فقد فارقته هو .... ولكنني لم أفارق ذكرياتي معه ... التي كانت تمتصني من حياتي الحقيقية .... وتجعلها في عيني فراغ...
كنت أتسائل لماذا جئت هنا ...!!!
جئت لأحرق ألبوم ذكرياتي .... كي أوئد كل أوهامي وأحزاني في مهدها ....... هنا ......
وهو فعل هذا بمهارة مذهلة ... فأنا لم ولن أتمنى حقيقته هذه في أي لحظات حياتي ... ذكراه هي التي تمنيتها ... لكنه هو ... لا أريده .... وهذا هو ما أدركته هنا ....!!
هنا قد فارقته منذ زمن .... والآن أفارق ذكرياته أيضاً ...
ليكتمل الفراق....
وليتم عزف لحنه لما تبقى من عمري ... ولكنه اليوم غير أي فراق .... فلحنه سعيد ... يعيد لي الحياة التي سرقتها الذكريات.........
...............................................
فقد كنت أقول ... فراقه حزن كلهيب الشمس يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها إلى السماء فتجيبه العين بنثر مائها لتطفيء لهيب الذكريات .....
أما الآن ..... فإن فراق ذكرياته ... سعادة كنور الشمس تغمر قلبي ليسمو بمشاعره و بحب الحياة ...
وحان وقت إرخاء ستار الأمل ووداع الماضي بلا أمل للعودة إليه......
.............................................

