الأربعاء، 26 نوفمبر 2008

وبدأ العرض .... حصرياً ..وليس بجميع دور العرض !!!

تك.. تك.. تك.. تك..


صوت دقات الساعة .. يدوي .... معلنة وداعها لنا ...


فحياتها كلها مقتصرة في رحلة عقرب الثواني من ثانية لأخرى ...


ومعلنة أيضاً وداعنا لثانية من عمرنا ... لن تعود أبداً


فقد قال الحسن البصري .. يابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك....


فنحن كل ثانية بل كل لحظة يذهب بعضاً منا إلى غير رجعة ....


فلكي تدرك قيمة ذكر الله


مت وانظر كم فقدت من عمرك وأنت غافل


وقد قال الحكماء ......


لكي تدرك قيمة الساعة إسأل عشاق ينتظرون اللقاء


لكي تدرك قيمة الدقيقة إسأل شخص فاته القطار أو الحافلة أو الطائرة


لكي تدرك قيمة الثانية إسأل شخص نجي من حادث


لكي تدرك قيمة اللحظة إسأل شخص فاز بميدالية فضية في الأوليمبياد


ولكن اللحظة اليوم لها معنى مختلف تماماً وقيمة أخرى .. فهي غير أي لحظة ..


فهي لحظة العرض .... وعرضنا اليوم غير أي عرض.....


حينما تحين لحظة العرض ... ينفخ في الصور أن لحظة العرض قد حانت... فهذا سبيل للإعلان عن عرض حصري .. ليس بجميع دور العرض ..


دار عرض مختلفة شيئاً ما ... حتى الأبطال والمشاهدين ...


يبدأ الجمهور في الاستجابة لدى سماعهم ذلك الصوت ... فهم نائمون ... إزعاج؟؟ لا ليس بالإزعاج مطلقاً...


فهم ينتظرون ذلك العرض منذ أن بدأو في ثباتهم الطويل ... فاليوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ...


أقصد فراشهم .. أنتم تعلمون أننا من الأرض وإليها نعود ...والله أنبتكم من الأرض نباتاً .. ثم يعيدكم فيها .. ويخرجكم منها ...


وقد بدأ الجموع يتزاحمون أمام دار العرض .. فكل منهم يتخبط هنا وهناك في كل مكان .. كالأطفال التائهة عن يدي أمها ... فزعين ...


لا يعرفون ماذا يفعلون .. فإن الانسان خلق هلوعاً!!!


إرتصوا كلهم واقفين ... الكل متأهب ... منتظراً أن يفتح شباك التذاكر .. معلناً عن بداية العرض ... كل منهم واقف نظره مصوب تجاه الشباك ...


لا ينظر أحد إلى الآخر ... لا يبحث أحد عن آخر ... كل منهم يفر حتى من أخيه وأمه وأبيه وزوجه وبنيه ....فلكل منهم هدف يشغل باله وتفكيره ... يشغله شيء واحد فقط .. لا يذهب من خياله ... ألا وهو مقعده ....


كيف سيكون؟؟ وأين...؟ فهناك الكثير من القاعات ...وهو يعلم أن الصلاح في اليمنى ... يفعل أي شيء كي يدخلها.... ويحضر العرض الأول ....


يُقذف في قلبه الرعب كلما خيل إليه أن نصيبه العسر سيلقيه بالقاعة اليسرى ...


ويتخيل أن جلده يقع من على جسده ذوباً من شدة هول فكرة أنه بالقاعة السفلية .. وما أدراك ما هي القاعة السفلية !!!


ينتبه كل منهم على دقة الناقوس ... أعني الجرس ... إنه شباك التذاكر وقد أعلن عن بدء بيع تذاكر هذا العرض ....


الكل يجري .. يهرول ... هنا وهناك ... يتكدسون بعضهم فوق الآخر ... كل منهم يدفع عمره ... وليس نقوده وحسب ...


كي يبتاع تذكرة له ينجو بها ويفوز بذلك العرض ...العرض الأول بالقاعة اليمنى بالطبع ...


ويتهافتون في لهفة ... يخرجون الأموال الطائلة ... حتى أنها تتبعثر على الأرض .. هنا وهناك ... يزجون بالأموال المبعثرة الغير مهندمة إلى داخل الشباك ...


كي يفوز كل منهم بالتذكرة ذات اللون الأخضر المحبب إلى النفوس ...


لحظة من الصمت .... ينتظرون أن تخرج لهم التذاكر ... فخرجت بالفعل ... لكنها ليست كما توقعوها .. إنها بيضاء ...


ليست ملونة بالأخضر ولا الأحمر أو حتى الأسود ..... يتبادلون نظرة بلهاء ... لا يعرفون إلى أين مصيرهم بتلك التذاكر ....


لا يستوعبون .... يظلون هكذا ...حتى يدوى الصوت الجهور ... بأن اليوم لن تنفعكم أموالكم ... فلا عاصم لكم اليوم ... إلا إجتيازكم للعرض الخاص ... فكلكم سواء


وحتى يتم السماح لكم بدخول العرض الأبدي ... أيان كان مقعدكم ... فلكل منكم عرضه الخاص ...


هو المشاهد ... والبطل أيضاً .. البطل الوحيد في عرضه ... يظهر على شاشة العرض لنفسه .... يشاهد كل شيء ... حياته كلها ..


.حينها يدرك كل منهم صعوبة الموقف الذي هو بصدده .... يشعر بغصة في حلقه ... تتزاحم الأفكار في رأس كل منهم .... حياته كلها


!!! يالله !!


يفكر بحياته .... كل منهم بعدما كان يتعارك ويهرول هنا وهناك ..... أصبح منكمشاً على نفسه ... ينتفض جسده ...


عينيه تكاد تخرج من محجريهما ... قلبه لا يكف عن الدفع الشديد لضلوعه ...دقاته يعلو صوتها ....


يتذكر .... يتذكر وأنّى له الذكرى .... يقول ياليتني قدمت لحياتي .... يمر عليه شريط حياته ... لا يعي ماذا يفعل ... كيف له أن يدخل هذه القاعة اليمنى بكل ما يمر على خاطره من أفعال ارتكبها ....


كيف من الأصل سيقوى على الوقوف ومشاهدة ذلك العرض .....


دار بذهنه أن يكذب .... فذلك هو العقل البشري .... يكذب ... يااااااه ... ذلك ما توصل إليه !! وكيف ؟؟ أهو المتحكم هنا في شريط العرض ... أيستطيع أن يقتطف مشاهد فقط ... أو يحذف أخرى ... أيستطيع؟؟


حينها يسمع صوتاً كأنه خارجاً من نفسه ... من ذاته ... يقول ... يومئذٍ تعرضون لا تخفي منكم خافية ......


وبينما هو منغمس في أفكاره ... ينتفض وترتعش كل ذرة بجسده عندما يسمع اسمه .....


ها قد حانت لحظة العرض الخاصة به .... يؤخذ ويجر إلى مكان العرض جراً ... يحمل همه وأفكاره كمثل الحمار يحمل أسفاراً ..... لا تقوى قدماه على حمله ..... ويزج زجاً ...


حتى يبدأ شريط حياته بالعرض على شاشات العرض ... يدور بعينيه باحثاً عن شيء أو عمل ينجيه اليوم ... فينقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير ..... لا توجد درجات ....


إنه يفتش عن درجات ..... فالدرجة هنا لها فرق رهيب ... ما بين السموات والأرض .... والنتيجة هنا عادلة ليس عليها غبار ....


وهي تراكمية ... فلينظر كل منهم إلى صندوق أعمال السنة لديه .... هل به من الدرجات ما تسعفه اليوم ... ليجتاز ذلك الامتحان ؟؟؟


واللجنة أيضاً ليست بظلاّمة لأحد ... واليوم لا تُظلم نفس شيئاً.... ولا يجزي أحداً إلا بما كان يعمل ....


في وسط الظلام الحالك ... أثناء عرضه الخاص ... تتسلط عليه بؤرة الضوء .... يقف يرتجف ... لا يرى شيئ أمامه سوى تلك الشاشة الكبيرة ...


وهو في المقعد الوحيد ... يشاهد ... يرى ثمار جهده طوال حياته ... ثمار ناضجة أم عطبة ؟؟...


يحاول أن يبرر ... أن يفسر ... ولكن ذلك العرض هو تجسد للوضوح ... فاليوم ليس للغموض حيز .. ليفرض نفسه ... وإن كان غصباً .... فما هنالك درباً إلا الإعتراف ... فيعترف بذنبه .... وسحقاً لذلك ....


هيهات ... وما يفيد ... فيدوي الصوت مرة أخرى ... بأن لا تعتذر اليوم ... إنما ستجزى بما كنت تعمل ....


فيرتجف أكثر وأكثر ... يكاد قلبه يعلن ثورته على ضيق سجنه ... فيكاد يخترق الضلوع من شدة خفقاته ....


يدرك أنها النهاية ... نهاية الامتحان .... وصندوق أعمال السنة لديه فارغاً.... فقد كان في غفلة عنه طوال حياته ....


ولكنه اليوم قد كشف عن عينيه الغطاء .... فبصره اليوم من حديد .....


ولكن فاااات الأوان .... وقد عرف مصيره .... وأين سيكون مقعده ... فقد يئس من القاعة الخضراء ونسيمها كما يئس الكافرون من أصحاب القبور !!!


نفس المشهد مرة أخرى ... القاعة المظلمة ... العرض الخاص ... شاشة العرض ... المقعد الوحيد ...


ولكن بؤرة الضوء تكشف عن وجه آخر ... يخيل إليك بشبح ابتسامة على وجهه المنير .... أيبتسم في مثل ذلك الموقف ؟؟؟ إنه خائف لا شك ..... لا يعرف مصيره .... فلمَ الابتسام !!!


تجيب الكاميرا على ذلك التساؤل عندما تظهر ما يدور على شاشة عرض حياته .....


فصندوق أعمال السنة الخاص به يكاد يكون ممتلئ ... فلم يكن ممن تركوه حتى تراكمت عليه الأتربة وخيوط العنكبوت ....


لقد بدأ يدرك مكان مقعده ... ويشم الرائحة التي تسري بنفسه .. فتحيه .. وترد له قلبه الذي مزقه الرعب ...


فاليوم جامع للمشهدين ..... يوم يجمعكم ليوم جامع .... فذلك يوم التغابن ....


ومن مشهد بعيد ترى القاعتين ذواتا العروض الخاصة .... وفرق السماء من الأرض بين العرضين وبين البطلين ....


فيخيل لك أنه قد ضرب بينهما بسور .... وهذا السور له باب .... باطنه الرحمة .. السعادة ... الطمأنينة .......


أما من قبله ... فهو العذاب..الحسرة..الندم الذين يتكالبون على قلب صاحب الصندوق الفارغ .....


أما الآن .... فقد حان الوقت ... كي يجلس كل منهم في مقعده ... حتى يبدأ العرض الأبدي ....


أما الأول... فيتم تغليله بالسياج .... ويسمع أصوات الحسرات .. والأسئلة ... لمَ كانت تلك القاعة مصيرك.. ألم يأتك من يحذرك من ذلك العرض الذي لا تقوى عليه القلوب؟؟


كان لديك حرية الإختيار ... أن تختار العرض الذي تحب ... وتكنز له الأموال .... أقصد الدرجات في صندوقك ؟ ... يتذكر الأموال ... فيخرجها كلها ...


يضعها أمام الأعين ... خذوها جميعها .... وأدخلوني أستمتع بالعرض الأول وأنجو من تلك القاعة ....


فلا يجد جواباً إلا الضحكات الساخرة من قبل حارسي القاعة اليسرى .... يقولون .. وهل يستوي منكم من أنفق من قبل هذا اليوم ...


والآن ؟؟ ويزج زجاً داخل القاعة وينغلق الباب ... كاتماً خلفه صوت عجيب ... لا أعتقد أنه قد سمعه أحد منا في أي عرض في دور العرض كلها من قبل .....


فهو مزيج من صراخ واستغاثات وشهيق لشيء يفور ..... يالله!!! ما عجب هذه القاعة وهذا العرض المخيف .....


من الأفضل أن يضعوا لافتة ... للكبار فقط ذوي القلوب القاسية كالحجارة .... لا الحجارة لن تحتمل ..... يامغيث من ذلك العرض يارب!!!!


أما الآخر ... حين استلم تذكرته الخضراء ... لم يجد في صدره حاجة لأي شيء عدا أن يجد نفسه داخل القاعة بوسيلة أسرع من براق ليلة المعراج إن أمكن ....


فيتم استقباله بالابتسامة الواسعة ... والبشارة الجميلة ... ويسمع أصوات الترحيب ... أن أدخلها اليوم بسلام ... ذلك عرض الخلود ...


وهل جزاء الاحسان إلا الاحسان؟؟؟


فيخطو بقدمه اليمنى ... وتغلق القاعة .... يهب إثر إنغلاقها نسيم جميل الرائحة بارد على النفوس يجلي القلوب من صدأ الدنيا الفانية ....


وبذلك يبدأ عرض الخلود .........



وإنه لعرض حصري .... ليس بجميع دور العرض


....................................................


..... إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ..........


........تمت........


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2008

من أكون؟؟ أعمق من كونه مجرد سؤال!!


هل أتى عليك حيناً من الدهر

وتسائلت ..... من أكون؟؟؟

من أكون؟؟؟

هل أشتقت إلى نفسك كأنما

هي الحبيب الغائب البعيد؟؟

هل أصبح هدفك في الحياة يوماً

هو تجسد الغموض بذاته؟؟

غموضاً يبعث الفوضى وعدم الاستقرار

ليس حب الاستكشاف والمغامرة!!!

هل أمسيت يوماً لا تتذكر تفاصيل الأمس

أو تعيش ملامح اليوم؟؟

وأصبحت أحلام الغد كحبات اللؤلؤ

التي تم نثرها ببحر غاضب

في جوف ليل دامس الظلام!!!

أما الجراح .. فهي بمثابة آشعة الشمس الحارقة

التي تسدل جفونك خوفاً ألا تمر على عينيك!!

وتظل هكذا مغمض الأعين خوفاً منها

فلا ترى واقعك .. وإن كان جميلاً باسماً!!!

...................................

هل أتى عليك حيناً من الدهر

وتسائلت ... من أكون؟؟

أحقيقة أنا ... أم سراب؟؟؟

أتكون نفسي كما أعرفها !!

أم كما يظنها الآخرون؟؟؟

هل ضللت طريقك يوماً إلى حقيقة إحساسك؟

هل ابتسمت ملء شفتيك .. وقلبك يبكي أنهاراً؟

هل شعرت يوماً كأن وجهك منقسم شقين

الأول يضحك .... والأخر يصرخ!!!

هل شعرت يوماً بأنك كالتوأمين الملتحمين؟

قلبين..بإحساسين.. عقلين...بتفكيرين ...

في جسد واحد ...

وهنا يكون السؤال إجبار وليس إختيار...

من أكون؟؟؟

وهو سؤال وحيد

ولكنه ... أعمق من كونه مجرد سؤال!!!

الاثنين، 24 نوفمبر 2008

ليكتمل الفراق... وداعاً أيتها الذكريات....

وقفت بين الجموع شاردة ...

فأنا موجودة بينهم ولكنني بعالم آخر...

عالم ذكريات ... عالم حب ... عالم آهات ... مؤلمة .. لكنها محببة ...

محببة إلى نفسي ... وقلبي... الذي لم يعش مثل هذه الذكريات إلا مرة واحدة وحيدة بحياته .... هي بالأحرى حياته ...وليست مجرد ذكرياته ....

فهو كان في غيبوبة طوال هذه السنوات التي أنتهت ذكرياته عند بدايتها ...فهو أدرك لا شعورياً أن حياته لن تستطيع أن تستمر ... بإنتهاء هذه الأحداث والتي أصبحت ذكريات....

يااااااه .... لقد كنت نسيت ...أعني كنت قد تناسيت ..... لمَ العودة لذلك الماضي الأليم السعيد .... الذي يسرقني إليه الحنين ... لمَ قد قُدّر لي أن تُلقى بذور الشطة على جرح قلبي القديم ...المتجدد باستمرار...

لمَ وافقت على السفر والمجيء إلى هنا ... صحيح أنني مكلفة بعمل لابد أن ينتهي ... وأنني قادمة مع فوج لمعاينة المشروع الجديد .... لكنني كان يمكن أن أرفض .. كان هناك بديل غيري ... أهو الحنين!!!

هل من المعقول أن يكون الأشتياق؟؟ ... وهل هناك من يشتاق لعذاب قلبه... هل هناك من يفتح جرحه بيديه حتى يشعر بناره مجدداً؟؟....

فبمجرد أن وصلت هنا ...كل خطوة بذكرى ...أو ذكريات ...خاصة هنا ...مكان المشروع الجديد ... تجذبني ذكرياتي جذب لأتذكر تفاصيلها ..وأعيش المشهد كاملاً ... لأسبح بهذا العالم الجميل ... الذي كنت أحيا به ...بالفعل فقد كنت أحيا ... فأنا كنت ...أما الآن ...لست أنا ....!!

أستطيع أن أراه أمامي ...نمرح ... نضحك ... يضم بعضنا الآخر كي نحتمي ببعضنا من البرد ...ويجد كل منا الدفئ في حضن الآخر ..... نجري بجنون تحت الأمطار ... ونلتقط لبعضنا الصور المضحكة ... فكنت أعشق جنونه ..وهدوءه وحتى صمته .... يصرخ بأعلى صوته ... "بحبــــــــــك" .....

ويهمس لي وهو يبتسم "وحشتيني" ..... وأحياناً ينظر لي وحسب ....

أستطيع أن أشعر لمسة يديه .... ودفئ أنفاسه .....

أستطيع سماع صوته ......

صوته يناديني ......

ما هذا ..... أنا أهلوس .... أسمع صوته بالفعل ....

..................................................

هو ........ هو هنا .....إنه هو.. لقد مسني الجنون!!!!

أأنت ؟؟؟ إنه أنت؟

جاوبني .... نعم ..إنه أنا ... لم أصدق عيني عندما رأيتك من بعيد وسط هؤلاء .... فأنتظرت قليلاً حتى تصبحين وحدك ... وأستطيع الحديث معك .... ماذا تفعلين هنا؟؟

أشعر بأنني أحلم ... أهلوس ... فأنا كمن يقف على قبر ويبكي موتاه ... فإذ بهذا الميت تدب فيه الحياة ويهب واقفاً أمامه ويحدثه!!!

فتمالكت نفسي ... حتى لا يلاحظ ما أمر به من أحاسيس ....

وأجبته .. شغل ... أنا هنا في شغل ... وأنت؟؟

فأمتعض وجهه .. للترفيه ... متضايق شوية بس..

وقعت إجابته عليّ كالصاعقة .... ترفيه؟؟؟

وفي ذلك المكان ... الذي أصارع نفسي كي تتغلب على دموعها ... لمجرد أنني فيه !!!

فأجبته في محاولة لقطع هذا الحوار .... وقد إعتلت على وجهي الجدية ... أما أنا .. فلديّ عمل ... يجب القيام به...

فأخذ يسألني عن هذا العمل .. وما هو هذا المشروع الذي نعاينه ... وأخذ يستمر في الحديث ..

وأخذت أنظر إليه ... أدقق في تفاصيله ... أهذا هو؟؟ ... قد مر زمن طويل ... تغير كثيراً ... كم تمنيت طوال هذه السنوات أن أكون هنا ومعه .. كما الآن .. أن أرتمي في أحضانه ..وأبكي ...أبكي حتى تنتهي الدموع .... أن أتحدث إليه حتى يكف اللسان وتكمل الحديث العيون .... لكننا هنا الآن .. ومعه .... لكنه ليس معي ...أول نظرة مني ليديه ... إنها دبلة الزواج .. تلمع في عيني .. إنه ليس ملكي ...ولن يكون....

.................................................

تنبهت إليه وقد هدأ صوته ...ونظر لي نظرة طويلة .... كيف حالك؟؟ ... كيف هي حياتك؟؟

بخير .... هل إرتبطي؟؟ ... لا ... لم أفكر بالارتباط بعد ... فعملي يأخذ كل وقتي ...كما ترى

وترددت لحظات ... ثم سألته ... وأنت ,,,ألم ترتبط؟؟

نظر إلى الدبلة في يديه ... ثم تنهد تنهيدة طويلة ....

بلى ..أرتبطت ... لكن الزواج بلا حب ... كالأزهار بلا عطر أو لون ... حياة روتينية .. تمتلأ بالمشاكل والمشاحنات ...سمعت أن الزواج إستقرار ... لكنني لم أعرف بعد معنى لهذه الكلمة .. في قاموس هذه المرأة ...

"بالطبع صامتة...... لا أجد ما أقول ... أهو يشتكي إلي أنا .... ومن زوجته...هو .... الذي كان يوماً يحلم معي بحياتنا سوياً وكيف تكون حتى يشيب كل منا ولانزال نحب بعضنا البعض!!! ماذا أقول ... وماذا ينتظر مني ؟؟

وما هذه القسوة ؟؟؟ ....."

كل هذا وهو ينظر لي ... يحدق بي....

فنظرت له ...وبنبرة ساخرة قلت له .... ليس كل مايتمناه المرء يدركه .... "بكرة تتعدّل" مثل ما كنت تقول جدتي ...

فضحك كثيراً ... حتى أنني كنت مندهشة لهذه الضحكات ... ضحك حتى أذرف الدموع من عينيه ...وقال لي متغيرتيش ... وسكت قليلاً ...وهو ينظر للفضاء البعيد ... ثم حانت منه نظرة لي وهمس كما كان يفعل ...

"وحشتيني" ....فابتسمت ولسان حالي يقول ...لسه فاكر "على رأي أم كلثوم" .... فقال ووحشتني ابتسامتك ....

كلماته هذه كانت كالمياه التي تروي قلبي ... فينضر وتعيد له الحياة ... ويتنفس من جديد كالزرعة التي تتفتح ثمارها ... لكن ثمار قلبي كانت أشواك تجرح فيّ وتدمي قلبي من جديد بكل ثمرة تتفتح.... فلم أحتمل...

يااااااه ... حقاً لا أحتمل ... أيعامل بشراً أم حجر....

وعلى أي أساس ... يشكي لي زوجته .... ثم يقول لي أنه يفتقدني ...

لمَ هذه الأنانية !!!!!!.....

فقلت له .. بوجه جامد .. وبنبرة باردة كالجليد ... وما الجديد في هذا ؟؟

فتجمدت الكلمات في حلقه ... وأخذ ينظر لي .. صامتاً..

نعم ... ما الجديد؟؟ ... فكل الذكريات نفتقدها في يوم من الأيام ... ولكننها تبقى ذكريات..... دائماً وأبداً سأفضل ذكرى في حياتك ....ذكرى فقط...

ومرت لحظات صمت ... لم يخترقها سوى رنة هاتفه ... حيث كانت رسالة مسجلة صوتيا من زوجته ...تعتذر له وتقول له بدلال ..."أنا أسفة ... وتبعث له بقبلة عبرالهاتف ... وأنها منتظراه على العشاء وتوصيه ألا يتأخر عليها"....... فأبتسم ....

وأنا ضحكت كثيرا بمرارة .... ونظرت إليه لحظات .. وقلت له ... ألم أقل لك ... ذكريات فقط ..ذكريات وحسب..

لم يستطع أن يجيب بشيء...

مرت لحظات صمت وأنا أنظر له ... فقط .....

فهذه هي آخر ما سيسجله لنا الزمن من رصيدنا معاً .....

وأخيراً قلت له .... أما أنا ...فتخليت عن ذكرياتي ...تخليت عنها .. في نفس مكانها ...

وتحررت منها ... بنفس اليد التي قيدتني بها ... فشكراً لك .... حقاً شكراً جزيلاً......

وأستأذنت .. ورحلت ... تاركة إياه في حالة ذهول .... لا يعي لماذا أشكره ... وماذا حدث.!!!

...............................................

فهو لا يعرف أنني قبل المجيء هنا ... كنت عبارة عن نصف أنثى ... نصف قلب ... وحياتي التي أعيشها نصف حياة ... ضحكتي نصف ضحكة ....... فالنصف الآخر كله كان يعيش مع وهم الذكريات ....

فقد فارقته هو .... ولكنني لم أفارق ذكرياتي معه ... التي كانت تمتصني من حياتي الحقيقية .... وتجعلها في عيني فراغ...

كنت أتسائل لماذا جئت هنا ...!!!

جئت لأحرق ألبوم ذكرياتي .... كي أوئد كل أوهامي وأحزاني في مهدها ....... هنا ......

وهو فعل هذا بمهارة مذهلة ... فأنا لم ولن أتمنى حقيقته هذه في أي لحظات حياتي ... ذكراه هي التي تمنيتها ... لكنه هو ... لا أريده .... وهذا هو ما أدركته هنا ....!!

هنا قد فارقته منذ زمن .... والآن أفارق ذكرياته أيضاً ...

ليكتمل الفراق....

وليتم عزف لحنه لما تبقى من عمري ... ولكنه اليوم غير أي فراق .... فلحنه سعيد ... يعيد لي الحياة التي سرقتها الذكريات.........

...............................................

فقد كنت أقول ... فراقه حزن كلهيب الشمس يبخر الذكريات من القلب ليسمو بها إلى السماء فتجيبه العين بنثر مائها لتطفيء لهيب الذكريات .....

أما الآن ..... فإن فراق ذكرياته ... سعادة كنور الشمس تغمر قلبي ليسمو بمشاعره و بحب الحياة ...

وحان وقت إرخاء ستار الأمل ووداع الماضي بلا أمل للعودة إليه......

.............................................

Fairuz...

Qur2aan